الجزء الأول
- رفضت عروضاً محلية مغرية تحت تأثير الوفاء لمولودية الجزائر
- النجوم السابقون يُعانون من قلة الإعتراف بعد الإعتزال
- منح الثقة للشباب هو مفتاح النجاح وبرشلونة أبرز مثال
- مشكلة «التأشيرة» حالتدوناحترافيفيالدوريالبلجيكي
- مراكز التكوين، قاعدة أساسية لتطوير كرة القدم الجزائرية
- كابوس الإصابات أثر بشكل كبير على مشواري الكروي
- لن أنسى فضل محي الدين خالف، جلول بسطول وعلال كرسان
ناصر بويش، اسم من ذهب في تاريخ مولودية الجزائر والكرة الجزائرية. موهبة استثنائية صنعت الفارق في المستطيل الأخضر، وأسطورة لمعت في سماء الكرة الوطنية. من الأزقة الضيقة في القصبة إلى المجد مع العميد، رحلة كروية مليئة بالإنجازات والتحديات، طبع خلالها اسمه بحروف من ذهب في سجل كرة القدم الجزائرية. في حوار حصري مع جريدة الروح الرياضية، ضمن ركن «ضيف الأسبوع»، فتح ناصر قلبه وتحدث بكل صراحة عن مشواره الكروي الحافل، منذ البدايات الأولى في نادي الأبيار وصولًا إلى تحقيق المجد مع مولودية الجزائر. كشف لنا عن المدربين الذين أثروا في مسيرته، وعن شغفه الدائم بمركزه كلاعب وسط، كما تطرق إلى قلة الاعتراف بالنجوم السابقين بعد الاعتزال. لم يتردد في الحديث عن التحديات التي واجهها، من العروض المغرية التي رفضها بدافع الوفاء، إلى العقبات التي حالت دون احترافه في أوروبا. كما قدم رؤيته حول مستوى التسيير الرياضي في الجزائر، وسبل النهوض بكرة القدم الوطنية. في هذا الجزء الأول من الحوار، نعود إلى البدايات، إلى اللحظات التي شكلت هوية ناصر بويش كلاعب، ونكشف عن أسرار لم تُحكَ من قبل عن رحلته مع المولودية تابعوا الحوار التالي.
عرف بنفسك للمتابعين الجدد لكرة القدم الجزائرية، وكيف ومتى ومع من كانت بدايتك مع كرة القدم؟
ولدت عام 1960 ونشأت عند جدتي في حي القصبة العتيق، بدأ شغفي بكرة القدم منذ الصغر، كنت ألعب مع أقراني في الأزقة مستخدمين أكياس الحليب المملوءة ككرات. كنت عاشقا لمولودية الجزائر وأحلم بارتداء قميصها، وهو ما جعلني أطمح للوصول إلى عالم الاحتراف. بدأت مشواري الكروي في نادي الأبيار، أحد أبرز الفرق التي أنجبت نجوم الكرة الجزائرية مثل الحاج عبد الرحمن إبرير، الإخوة سوكان، حميد موحا، وجمال مناد رحمهم الله. في سن العاشرة، التحقت بمدرسة الكرة التابعة لنادي الابيار، حيث تدربت تحت إشراف مدربين كبار مثل كمال لموي ولوصيف، كما كنت تحت رعاية المدرب عمي علال كرسان، الذي زرع في حب اللعبة والانضباط. وكان للمدرب الكبير عمي جلول بسطول أطال الله في عمره تأثير كبير في مسيرتي، إذ كان يؤمن بأن الموهبة والانضباط هما مفتاح النجاح في كرة القدم. خلال فترة تكويني، في صنف الأصاغر كنت أتشارك الطموحات مع صديقي جمال مناد رحمه الله، وكنا نسأل أنفسنا «لماذا لا نصنع مشوارا كرويا كبيرا؟». كنت أحلم بارتداء قميص المولودية، بينما كان جمال مشجعا لشبيبة القبائل، ونجح كل منا في تحقيق حلمه. في سن 16، انتقلت إلى مولودية الجزائر بعد أن تألقت مع الأبيار. كنت أذهب إلى ملعب 5 جويلية لمشاهدة الفريق الذي فاز بدوري أبطال إفريقيا عام 1976، وأتذكر أنني لعبت في إحدى المباريات التي سبقت نهائي كأس إفريقيا للأندية الأبطال مع منتخب العاصمة ضد منتخب الشرق في نهائي وطني، وانتهت المواجهة بالتعادل 2 مقابل 2، حيث سجلت أحد الأهداف. بعد ذلك، حضرت تتويج المولودية القاري من المدرجات، قبل أن أصبح جزءا من الفريق بعد أشهر قليلة مع صنف الأواسط. لم يكن الطريق إلى الفريق الأول سهلا، فقد كان علي أن أثبت نفسي وسط أسماء كبيرة مثل باشي، بن شيخ، بوسري، محيوز، وعزوز. ورغم صعوبة فرض نفسي في فريق مليء بالنجوم، إلا أن قدراتي والتشجيع الذي وجدته من لاعبي الحي الذي جئت منه مثل باشي ومحيوز ساعداني على التطور، حتى أصبحت لاعبا أساسيا وحققت لقب البطولة الجزائرية مع الفريق. اليوم، أؤمن أن منح الثقة للشباب هو مفتاح النجاح، وأستشهد بأندية عالمية مثل برشلونة والبياسجي التي تمنح الفرصة للاعبين في سن 17 و18 و19 عاما. وأرى أن الأندية الجزائرية، وعلى رأسها المولودية، يجب أن تمنح الفرصة للمواهب الشابة ليصبحوا نجوما ويقدموا الإضافة لفرقهم لعشر سنوات أو أكثر، مما يعزز قوة الفرق ويخلق جيلا جديدا من النجوم.
مدرب كان له التأثير الأكبر في تطوير مهاراتك وفي رسم مسيرتك الكروية؟
كان للمدربين دور حاسم في مسيرتي، حيث تأثرت بشدة بعدد من الشخصيات، لكن اثنين منهما تركا بصمة خاصة في رحلتي الكروية. الأول هو عمي جلول بسطول، الذي كان يناديني بـ«الفنان»، مؤمنا بأن لدي مستقبلا كبيرا في كرة القدم. رغم أن الاحتراف في الخارج لم يكن متاحا آنذاك، إلا أن بسطول كان يزرع فينا الحلم والطموح، مشددا على أنني قادر على الوصول إلى المنتخب الوطني الأول إذا واصلت العمل والاجتهاد. أما المدرب الذي ربطتني به علاقة خاصة، فهو محي الدين خالف رحمه الله الذي كان له تأثير عميق على مسيرتي. خلال دراستي في الثانوية مع جمال مناد، كنا نتدرب مع فريق شبيبة القبائل في ملعب 5 جويلية، حيث كنا نقطع المسافات وسط البرد القارس والمطر، نحمل حقائبنا الصغيرة، ونتجه إلى التدريبات التي يشرف عليها خالف بنفسه. كان خالف مدربا صارما، لكنه كان يرى في إمكانيات كبيرة، حتى أنه حاول إقناعي بالانضمام إلى الشبيبة، مؤكدا لي أنني سأحقق تقدما أكبر هناك. ورغم إغراء العرض، إلا أنني كنت أرى مستقبلي مع مولودية الجزائر. محي الدين خالف لم يكن مجرد مدرب، بل كان شخصية مميزة أثرت في العديد من اللاعبين، وكنت من بين الذين استفادوا من توجيهاته وإيمانه بقدراتي. طبعا لا انسى التنويه والاشادة أيضا ببقية المدربين الذين عرفتهم في مسيرتي، هذه العلاقة الخاصة بيني وبين مدربي تؤكد أن النجاح في كرة القدم لا يعتمد فقط على الموهبة، بل أيضا على وجود أشخاص يؤمنون بك ويشجعونك على تحقيق الأفضل.
هل انتقلت من مركز إلى آخر خلال مشوارك الكروي؟ وكيف أثّر ذلك على أدائك؟
منذ صغري، كنت ألعب في الحي كصانع ألعاب، وهو نفس المركز الذي بدأت فيه مشواري مع نادي الأبيار. لطالما فضّلت اللعب في هذا المركز، حيث كنت أرتدي القميص رقم 10 وأمتلك رؤية جيدة للملعب تساعدني على صناعة الفرص لزملائي. لم أغير مركزي طوال مسيرتي، لأنني كنت أشعر أنني أجد راحتي الحقيقية هناك، حيث يمكنني التحكم في إيقاع اللعب وتمرير الكرات الحاسمة. كنت أيضا معجبا باللاعب رقم 14 يوهان كرويف الهولندي، وكنت أسعى دائما لأكون مثله، وهذا ما زاد من إصراري على تطوير أسلوبي والبقاء في مركزي المفضل.
هل شعرت يوماً أن الإعلام الجزائري لم ينصفك سواء كلاعب أو بعد الإعتزال؟
أعتقد أن أكبر مشكلة تواجه اللاعبين السابقين هي نقص الاعتراف بمساهماتهم، سواء على مستوى المنتخب أو الأندية. عندما تلعب أكثر من 250 مباراة مع فريقك، وتسجل 70 هدفا رغم كونك لاعب وسط، فمن الطبيعي أن يتم تصنيفك ضمن أفضل هدافي النادي عبر تاريخه. لكن للأسف، لا يتم دائما توثيق هذه الإنجازات، وربما يعود ذلك إلى غياب ثقافة التوثيق والاعتراف بتاريخ الأندية. حتى الجيل الجديد من المشجعين لا يعرف الكثير عن تاريخ فرقهم. على سبيل المثال، عندما توفي جمال مناد رحمه الله، لعب فريقه السابق مباراة مع شباب عين تموشنت دون حتى دقيقة صمت تكريما له، رغم أنه كان أحد أبرز لاعبي الجزائر. بالنسبة لي، حصلت على 46 مباراة دولية وسجلت 6 أهداف، وهو رقم ليس بالكبير، لكن في ذلك الوقت كان هناك لاعبون كبار مثل بلومي وماجر دحلب بن ساولة وغيرهم، وكان من الصعب أن تكون ضمن التشكيلة الأساسية باستمرار. في الماضي، لم يكن هناك اهتمام إعلامي كبير بلاعبي، ولم يكن يتم منح الاعتراف اللازم لإنجازاتهم بعد اعتزالهم. لكن اليوم، أصبح هناك عمل استقصائي يعيد تسليط الضوء على الأسماء التي صنعت التاريخ. في بعض البلدان، مجرد الحصول على مباراة دولية واحدة يمنح اللاعب مكانة خاصة، بينما في الجزائر قد تلعب لسنوات دون أن يتم الاعتراف بك كما ينبغي. اليوم، تغيرت الأمور في كرة القدم الحديثة، بفضل التقدم في الإعداد البدني وإعادة التأهيل، حيث يمكن للاعبين الاستمرار في الملاعب حتى سن 35 أو أكثر، عكس ما كان يحدث في السابق عندما كان عمر 30 عاما يعتبر نهاية مسيرة اللاعب.
هل هناك موقف ندمت عليه خلال مسيرتك، سواء من تصريحاتك أو ردود أفعالك في بعض المواقف؟
تعرضت لضغط كبير عندما فكرت في الانضمام إلى شبيبة القبائل. في ذلك الوقت، كانت الشبيبة بوابة العبور نحو الاحتراف في أوروبا، حيث أن العديد من اللاعبين كانوا يغادرون بعد موسمين فقط. لذلك، كنت أعتبر أن اللعب هناك سيكون خطوة مهمة في مسيرتي. في كل مرة كنت أتحدث مع مسؤولي الشبيبة، كنت أوافق مبدئيا على الفكرة وأبدي استعدادي للانتقال. لكن دائما ما كان الجانب العاطفي والانتماء للمولودية يؤثر علي. لو كان هناك من ينصحني بعدم التأثر بالعاطفة والتركيز فقط على مسيرتي الاحترافية، لكن تأثير الانتماء كان قويا. بعد ذلك جاء إلي مسؤولو اتحاد العاصمة إلى المنزل للتفاوض معي. جلست مع رئيس النادي آنذاك، وكان الحديث يدور حول انضمامي إليهم. المشكلة أن الانتماء العاطفي كان حاضرا أيضا، فبالنسبة لجماهير المولودية، كان مجرد التفكير في اللعب لفريق منافس خيانة كبيرة. حتى بعض الأنصار جاؤوا إلي مباشرة وقالوا لي «كيف تخون فريقك وتلعب لناد أخر؟». كان القرار صعبا جدا، لكن في النهاية، لم تكتمل المفاوضات ولم أنتقل.
كيف تصف أبرز اللحظات التي عشتها مع مولودية الجزائر؟
خلال مشواري الكروي، حصدت عدة ألقاب، حيث كنت بطلا مع نادي الأبيار في فئتي الأشبال والناشئين، كما فزت ببطولة المدارس، ولقب افريقي في صنف الاواسط ومشاركة في مونديال الاواسط ثم توجت بلقب الدوري الجزائري مع مولودية الجزائر، إضافة إلى كأس الجزائر. لكن رغم كل هذا، لم أحقق حلمي بالمشاركة في كأس العالم. في عام 1982، تم استبعادي من القائمة بسبب صغر سني، وتواجدي في الخدمة الوطنية وتكرر الأمر في 1986 رغم الأهداف التي سجلتها. حينها، أخبرني المدرب سعدان أن القرار لم يكن بيده والوزير آنذاك هو من اختار القائمة بعدها، تعرضت لإصابة أثرت على مسيرتي وأبعدتني عن المشاركة في بعض المحطات المهمة. في تلك الفترة، كان المدرب الروسي روغوف يشجعني دائما، ويقول لي إن أمامي فرصة للعب كأس إفريقيا 1988 وربما كأس العالم 1990. كنت متحمسا، للاحتراف في اوروبا لكن الظروف لم تكن في صالحي. في سن 24، شاركت في كأس إفريقيا 1988 في كوت ديفوار، حيث احتل فريقنا المركز الثالث، وحصلنا على الميدالية البرونزية رغم أننا كنا قادرين على تحقيق الذهب. بعد ذلك، تلقيت عرضا من ناد بلجيكي لعقد مدته ثلاث سنوات، لكن مشكلة «التأشيرة» حالت دون احترافي. في ذلك الوقت، كان على اللاعبين انتظار بلوغ 28 عاما للخروج إلى الاحتراف، وكان هذا عائقا كبيرا. حاولت بكل الطرق الحصول على تصريح استثنائي، لكن الأمور لم تسر كما كنت أريد. وعندما بلغت 27 عاما، تعرضت لإصابة جديدة، مما جعلني أواجه صعوبة في تحقيق حلم الاحتراف الخارجي. في الماضي، كان عمر 30 عاما يعتبر الحد الأقصى لمسيرة لاعب كرة القدم، عكس اليوم.
يتبع…
حاورته: أمينة بشيخ