تُعد قرارات المدربين في المنتخبات الوطنية من أكثر العوامل حساسية في مسيرة اللاعبين، خاصة عندما تتعلق بالاختيارات الفنية وتوزيع الفرص داخل المجموعة، ففي كثير من الحالات، لا تكون المشكلة في غياب الموهبة أو الجاهزية، بل في الشعور بعدم الإنصاف أو التهميش، وهو ما يدفع بعض اللاعبين إلى اتخاذ قرار الاعتزال الدولي في وقت مبكر من مسيرتهم.
ورغم الإشادة الواسعة بالعمل الذي يقوم به الناخب الوطني فلاديمير بيتكوفيتش منذ توليه قيادة المنتخب الوطني، وحرصه على ترسيخ مبدأ المنافسة والانضباط، إلا أن قضية الحارس أسامة بن بوط أعادت إلى الواجهة إشكالية متكررة في تاريخ “الخضر”، تتعلق بردود فعل اللاعبين تجاه الخيارات الفنية التي لا تصب في مصلحتهم. فبالنسبة لعدد من اللاعبين، يُعد عدم الحصول على فرصة المشاركة، خاصة في المواعيد الكبرى، مؤشرًا على فقدان الثقة أو خروجًا نهائيًا من حسابات الطاقم الفني، هذا الإحساس يتعزز أكثر عندما يتعلق الأمر بلاعب يرى نفسه جاهزًا، أو يعيش فترة جيدة مع ناديه، لكنه يجد الأبواب موصدة داخل المنتخب، ما يولد شعورًا بالإقصاء قد يتحول سريعًا إلى قرار اعتزال. وفي حالة بن بوط، يرى متابعون أن غياب فرص المشاركة خلال نهائيات كأس أمم إفريقيا الأخيرة، حتى في المباريات التي اعتُبرت أقل ضغطًا، عزز قناعته بأنه ليس ضمن الخيارات الأساسية، خاصة في ظل اعتماد الجهاز الفني على أسماء أخرى، رغم اختلاف مستوياتها أو ظروفها، وهو ما جعله يستبق المستقبل، ويختار الانسحاب بدل انتظار قرار قد يكون أكثر قسوة لاحقًا، لا سيما مع اقتراب مونديال 2026. ولا يُعد هذا السيناريو جديدًا على المنتخب الوطني، إذ شهدت فترات سابقة قرارات اعتزال مبكرة بدوافع مختلفة، لكنها تشترك في نقطة محورية واحدة، وهي غياب الشعور بالتقدير. فالدولي السابق مليك زرقان، مثلًا، قرر مغادرة المعسكر واعتزال “الخضر” في مطلع التسعينيات، بعد حادثة داخلية تطورت بسبب توتر نفسي، ليُغلق بذلك باب المنتخب رغم موهبته الكبيرة. كما لجأ لاعبون آخرون إلى القرار نفسه بسبب التهميش أو الاستبعاد المفاجئ، على غرار صانع ألعاب شباب باتنة في تسعينيات القرن الماضي، الذي اختار الاعتزال بعد عدم منحه فرصة المشاركة في مباراة رسمية، فضلًا عن حالة اللاعب واضح خلال “كان 2004”، حين عبّر عن استيائه من خروجه من القائمة، وفضّل الانسحاب بدل الاستمرار في أجواء اعتبرها غير منصفة. وفي المجمل، تكشف هذه الحالات أن الاعتزال الدولي المبكر لا يكون دائمًا نتيجة ضعف أو فشل، بل غالبًا ما ينبع من تراكم نفسي، وشعور بعدم العدالة، وخوف من مستقبل غامض داخل المنتخب، وبين طموح اللاعب ومنطق المدرب، يبقى التواصل، الوضوح، ومنح الفرص في الوقت المناسب، عوامل حاسمة لتفادي قرارات قد تُنهي مسيرة دولية قبل أوانها.
سيد أحمد فلاحي
